الشيخ محمد رشيد رضا
163
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وبهذا تكون آية المائدة مؤبدة للحصر في الآيات الثلاث ، ومن المعلوم الذي لا خلاف فيه ان سورة المائدة آخر السور نزولا وانه ليس فيها منسوخ فكل ما خالف حكما من أحكامها فهو المنسوخ بما فيها إذ كان نزولها في حجة الوداع من السنة العاشرة والنهي عن الحمر الأهلية والسباع كان في غزوة خيبر سنة سبع كما تقدم : فان جاز ان يكون مخصصا لعموم آية البة - ان صح انه بعدها وان المقام مقام التخصيص لا النسخ - تكون آية المائدة ننسخة له لأنها متأخرة حتما والأرجح المختار عندنا ان كل ما صح من الأحاديث في النهي عن طعام غير الأنواع الأربعة التي حصرت الآيات محرمات الطعام فيها فهو إما للكراهة وإما موقت لعلة عارضة كما تقدم في الحمير ، وما ورد منه بلفظ التحريم فهو مروي بالمعنى لا بلفظ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وليس مراد من رد تلك الأحاديث بآية الانعام من الصحابة وغيرهم انه لا يقبل تحريم ما حرمه الرسول ( ص ) إذا لم يكن منصوصا في الآن بل معناه انه لا يمكن أن يحرم ( ص ) شيئا جاء نص الآن المؤكد بحله . واعتبر هذا بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه قال : كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا هذه الآية ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ) . . . فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي ( ص ) فقال « خبيثة من الخبائث » فقال ابن عمر : إن كان رسول اللّه ( ص ) قاله فهو كما قال اه . فقوله « ان كان » مشعر بشكه فيه وانه ان فرض انه قاله وجب قبوله لان اللّه أمر باتباعه ولكن بمعنى أنه خبيث غير محرم كالثوم والبصل . على أن الحديث ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام . ويكثر في أحاديث أبي هريرة الرواية بالمعنى والارسال لان الكثير منها قد سمعه من الصحابة وكذا من بعض التابعين لا من النبي ( ص ) ولهذا تكثر فيها العنعنة وذهب بعض أئمة الفقه إلى تحريم ما ثبت في الأحاديث الامر بقتله لضرره كالحية والعب والغراب الا بقع والفأرة والكلب العقور وهن الفواسق الخمس وكذا الحدأة والوزغ أو النهي عن قتله كالنمل والنحل والهدهد والصرد والضفدع . والصواب ما عليه الجمهور من عدم دلالة الامر والنهي في هذا المقام على تحريم الاكل إذ الامر بقتل الحيوان الضار لاتقاء ضرره لا ينافي جواز قتله لأجل الانتفاع به بالاكل ولا بغيره ولو لم تدل الدلائل العامة القطعية على إباحة ذلك فكيف وقد دلت .